
د. فرج فودة
أنطون شنوده
تحدثنا كثيراً عن وقوف بعض الأقباط في مصر ضد أخوانهم بهدف الحصول على مناصب في الدولة وعلى الجانب الاخر وقوف بعض المسلمين المستنيرين مع القضية القبطية وإعترافهم بوجود تمييزعلى الرغم من أنهم قد يتعرضون لهجوم من قبل الاخرين. لكن هؤلاء الكتاب يدركون بحسهم الواعي خطورة التمييز في المعاملة وما له من أثار سلبية في كافة نواحي الحياة.
من هؤلاء الكتاب والمفكرين أتحدث عن الدكتور فرج فوده الذي دفع حياته ثمنأ لأفكاره الليبرالية والذي أخذ على عاتقه مهاجمة تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر ومهاجمة الأفكار الراديكالية في المجتمع ومساندته للأقباط ومهاجمته للتمييز بينهم وبين المسلمين.
ولد د.فرج فوده في عام1945 بمحافظة دمياط , و هو حاصل على ماجستير العلوم الزراعية و دكتوراه الفلسفة في الاقتصاد الزراعي, من جامعة عين شمس 1981, عمل معيدا بكلية الزراعة عين شمس, ثم مدرسا بكلية الزراعة ببغداد .ثم خبيرا اقتصاديا في بعض بيوت الخبرة العالمية .
أثارت كتابات فرج فودة جدلا واسعا ونقاشا كبيرا بين المثقفين و المفكرين و رجال الدين . و اختلفت حولها الأراء وتضاربت وتصاعدت حتى بلغت حدا كبيرا من العنف أدى في النهاية الى توقف الحوار و اعلان القتل, فكانت الطلقات في مقابل الكلمات, و الخنجر في مقابل القلم, و التكفير في مقابل التفكير. كان من البديهي أن يختار أنصار التطرف و أصحاب القتل أقصر الطرق-الاغتيال- بعدا ان عجزوا عن المواجهة و فشلوا في الرد وبعد أن أعياهم المنطق السليم, و أرهقهم العقل المستنير.
في كتابه "الارهاب"يقول د.فرج فوده:
"
... اليوم الذي لا يصلني تهديد منهم (من المتطرفين) و الصباح الذي لا تكتحل عيناي فيه بهجوم من تياراتهم, دليل قصور في سعي و تقديري .فدلالة هذا أنني قد أوجعتهم بما أكتب و أثيرهم بما أجتهد, و مادام رد فعلهم سباب و قذف و شتيمة فمعنى ذلك أن منطقهم أعجز عن الرد و أهون من الحوار ..واذا كان الشيئ بالشيئ يذكر فلعل القارئ يتدكر أن اسمي كان ترتيبه الثالث في قوائم الاغتيالات التي ضبطت لدى تنظيم "الناجون من النار " كما يسمون انفسهم " الساعون الى النار كما أسميهم". ولو لم يحدث ذلك لشعرت بأسى شديد. فالشجاعة تقاس بعداء الجبناء و السمو يقاس بعداء الوضعاء و الرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف ....أي حوار هذا الذي ينطق أحد اطرافه بالكلمات فيرد الطرف الأخر بالطلقات.اذا كان المقصود أن نتراجع فقد طلبوا المستحيل ,واذا كان المستهدف أن نخاف فقد ظلوا السبيل ,و اذا كان المطلوب أن نغمد القلم فقد اخطأوا رقم الهاتف, فالموت أهنأ من العيش في ظل حكمهم العتي و منطقهم الغبي, و أن يفقد المرء حياته و هو يدافع عن حياة الوطن أشرف كثيرا من أن يعيش في ظل وطن ممزق, و أن يضحي المرء بالسنوات الباقية من عمره أشرف كثيرا من أن يقضيها تحت حكم من يفضلون ركوب الناقة على ركوب السيارة-كما يذكر أحد أعضاء الجماعة في اسيوط - أو من يذهبون فرادى و جماعات لقضاء الحاجة في الخلاء-كما يفعل اعضاء الجماعة في المنيا-. المقبرة أهون, والاستشهاد افضل, و الجهاد ضدهم هو الاختيار الصحيح و المريح."
و في كتابه"نكون او لا نكون" يقول الكاتب:
" ان ما أسجله في هذا الكتاب شديد الأهمية في تقديري لأنه يعكس واقع المعارك الفكرية التي نعيشها ,وهو سجل هام للأجيال القادمة أكثر من أهميته لجيلنا .لأنه وثيقة شرف لجيل أبائهم, و لعلهم لن يصدقوا أننا كتبناه و نحن غارقون في اتهام التكفير, و محاطون بسيوف الارهاب و التهديد. و يقينا سوف يكتب البعض من الأجيال القادمة ما هو أجرأ و أكثر استنارة. لكنه سوف يصدر في مناخ آخر أكثر حرية و انطلاقا و تفتحا . و لعله من حقنا عليهم ان نذكرهم أنهم مدينون لنا بهدا المناخ. وسوف يكتشفون عندما يقلبون أوراقنا و نحن ذكرى أننا دفعنا الثمن....ويا أيها القارئ بعد زمان طويل اقرأ لنا و تعلم كيف يكون الانسان موقفا , و كيف نحتنا عصر تنوير بأقلامنا. وكيف كانت الكلمات أقوى من الطلقات. و افهم معنا ما فهمناه من كلمة الله حين شاء أن تكون أولى كلماته في الانجيل " في البدء كانت الكلمة" وفي القرآن "اقرأ".
أغتيل الدكتور فرج فوده بالقاهرة على يد متطرفين اسلاميين في صيف 1992, وعلى الرغم من علمه بأن دمه مطلوب لم يخف وظل مدافعاًَ عن الفكر لأخر لحظة في حياته, وبذلك يكون أشجع مفكرمصري في عصرنا الحديث ويستحق عن جدارة لقب " شهيد الفكر".